حبيب الله الهاشمي الخوئي

339

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لأجل شيء من جانب القابل ، فقوله عليه السّلام : فأمضى ، إشارة إلى هذا الايجاد الذي بيّنا أنه قبل الوجود والصدور . المقام الثاني في تحقيق أنّ المشية والإرادة من صفات الفعل لا من صفات الذات ، وتوضيح ذلك موقوف على رسم مقدّمة متضمنة لقاعدة كلَّية بها يعرف الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل ، وقد أشار إليها ثقة الاسلام الكليني عطَّر الله مضجعه في الكافي أيضا وهي : أنّ الفرق بينهما من وجوه ثلاثة : الأوّل أنّ كلّ صفة وجودية لها مقابل وجوديّ فهي من صفات الفعل لا من صفات الذات ، لأنّ صفاته الذاتية كلَّها عين ذاته وذاته مما لا ضدّ له ، فكذلك كلَّما هو عين ذاته ، مثال ذلك أنّك تقول : إنّ الله سبحانه رضي وسخط وأحبّ وأبغض وأحيى وأمات ، وهكذا ولا يجوز أن تقول : علم وجهل وقدر وعجز وعزّ وذلّ ، فبذلك يعرف أنّ الحبّ والاحياء والرّضا من صفات الفعل لأنّ البغض والإماتة والسّخط مقابلاتها ناقضات لها ، فلو كانت من صفات الذّات لزم أن يكون مقابلاتها ناقضات للذّات الأحدية وهو محال ، لأنّه لا ضدّ له كما لا ندّ له فاتصاف ذاته بصفتين ذاتيّتين متقابلتين محال . الثّاني أنّ كلّ صفة صحّ تعلَّق القدرة بها فهي من صفات الفعل وكلَّما لا تصحّ تعلَّقها بها فهي صفة الذات ، وذلك لأنّ القدرة صفة ذاتيّة تتعلَّق بالممكنات لا غير ، فلا تتعلَّق بالواجب ولا بالممتنع ، فكلّ ما هو صفة الذات فهو أزليّ غير مقدور وكلَّما هو صفة الفعل فهو ممكن مقدور فيصح أن تقول : يقدر أن يخلق وأن لا يخلق ويقدر أن يميت ويحيى وأن يثيب ويعاقب وهكذا ، ولا يصحّ أن تقول : يقدر أن يعلم وأن لا يعلم ، لأنّ علمه بالأشياء ضروريّ واجب بالذّات ، وعدم علمه بها محال ممتنع بالذات ومصحّح المقدوريّة هو الامكان ، ومثله صفة الملك والعزّة والعظمة والكبرياء والجلال والجمال والجبروت وأمثالها .